أخرى
السؤال باختصار
سؤال عن حديث "ناقصات عقل ودين": هل هو إساءة للنساء وانتقاص من كرامتهن؟
الجواب باختصار
الحديث بيان لفطرة المرأة لا انتقاص لكرامتها؛ فنقص الشهادة مرتبط بضبط لا بذكاء، ونقص الدين بالحيض لا بالتقصير، وضعفها الفطري وعاطفتها جمال يكمّل قوة الرجل لا عيب فيها.
الإجابة
الله الذي خلق الرجل والمرأة من جنسين مختلفين، وجعل سعيهما شتى؛ مدَّ كلَّ واحد منهما بمقومات تكمل نقص الطرف الآخر في تناغم بديع وانسجام معجز. أمدَّ الرجل على العموم بالقوة البدنية - وإن كانت بعض النساء قد تفوقت على بعض الرجال في هذه القوة -، كي يحملوا عنهن الأعباء والمسؤوليات المتعبة، وحباهم القدرة على استخدام العقل، في حين أمدَّ النساء بقوة العاطفة كي يمارسن مهامهن الأنثوية من حمل ورضاعة ورعاية للأطفال وتهذيب لفطرة الرجل الجافة وخلق التكامل والتوازن في الحياة. وكم من امرأة عاقلة حكيمة تفوقت بعقلها على آحاد الرجال. والتاريخ يشهد لمريم عليها وعلى نبينا وآله وصحبه السلام بالكمال، ولآسية وخديجة رضي الله عنها وفاطمة عليها وعلى أبيها السلام، وخلَّد بمِداد من فخر موقفَ أم سلمة ورجاحة عقلها وحكمتها وهي تفتي الرسول صلى الله عليه وسلم وقد ذكر لها ما لقي من الناس: “اخرج، ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك”، فخرج فنحر بدنه ودعا حالقه فحلقه. فكانت نِعم المشورة ونعم الرأي.
وواقعنا اليوم يشهد أن النساء قد برعن في الفهم والتحليل والاستنباط، وفي الهندسة والرياضيات وعلوم الفلك والفيزياء وغيرها من العلوم التي تستدعي قوة عقلية وذهنية عالية. ولا تعارض بين هذا وبين حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت من ناقصاتِ عقلٍ ودين أذهبَ للُبِّ الرجل الحازم من إحداكن)، قلن: وما نقصان دينِنا وعقلِنا يا رسول الله؟ قال: (أليس شهادةُ المرأة مثلَ نصف شهادة الرجل؟)، قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تُصلِّ ولم تَصُمْ؟)، قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان دينِها).
فالنقص المقصود قد بيَّنه صلى الله عليه وسلم، وأجاب عنه بما ينفي اللبس، فهو خاص بالشهادة في سياق البيوع والمعاملات التجارية التي هي في العموم من اهتمامات الرجال. وحتى إن وُجِدَت المرأة المهتمة بذلك المحترفة في هذا المجال، فإن ذلك ليس قياسًا ولا قاعدة عامة، فغيرها من النساء كثيرات لا يُحْسِنَّ ذلك ولا ينشغلن به لطبيعتهن، ولتأثرهن بعواطفهن، وبفطرتهن في عدم الإبانة في الخصام. والعبرة بالأغلبية فالنادر لا حكم له. وهذا سبب رفض جمهور الفقهاء شهادة المرأة الواحدة في القصاص والحدود والأموال. ثم إن هذا النقص ليس تكوينيًّا ولا ماديًّا، وإنما لتلبسه بالعاطفة، ولسيطرة المشاعر والأحاسيس على المرأة في الغالب حتى فيما يحكمه العقل. وفي مقابل هذا فالرجل يغلِّب عقله، ونجده يفعل ذلك في مواقف كثيرة من المفترض أن يكون فيها للعاطفة الغلبة. فهذا خَلْقُ الله، وهذه فطرته التي فطر عليها عباده، وهي فطرة كما سبق لأجل خلق التوازن في الحياة وإلا غلب عليها الجفاء والجفاف إن لم يكن السلطان سوى للعقل، أو غلبت عليها المشاعر والميولات النفسية إن لم يكن الأمر سوى للعاطفة.
ولعل ربط نقص العقل عند المرأة في الحديث بنقص الدين قد تكون له دلالة سببية، وهي ارتباط هذا النقص حتى بالنسبة للمرأة الذكية قوية العقل والفهم والاستنباط بمرحلة نقص الدين، وهي مرحلة الحيض والنفاس وما يصاحبها من تغيرات هرمونية ونفسية وآلام وخمول وتغير مزاج، وهي أمور لابد مؤثرة على الصفاء العقلي وعلى العطاء.
وقد فسر العلماء هذا النقص العقلي بنقص الضبط، والذي سببه واقعيًّا انقطاعها - على العموم - عن العالم الخارجي وبُعدها عن الميادين التي تستدعي تركيزًا وضبطًا وفهمًا وتحليلًا.
قال النووي رحمه الله في شرح الحديث:
“قال الإمام أبو عبد الله المازري - رحمه الله -: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل)؛ تنبيهٌ منه - صلى الله عليه وسلم - على ما وراءه، وهو ما نبَّه الله تعالى عليه في كتابه بقوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} أي أنهن قليلات الضبط. قال: وقد اختلف الناس في العقل ما هو؟ فقيل: هو العلم، وقيل: بعض العلوم الضرورية، وقيل: قوة يميز بها بين حقائق المعلومات. هذا كلامه. قلت: والاختلاف في حقيقة العقل وأقسامه كثير معروف لا حاجة هنا إلى الإطالة به، واختلفوا في محله. فقال أصحابنا المتكلمون: هو في القلب، وقال بعض العلماء: هو في الرأس. والله أعلم. وأما وصفه - صلى الله عليه وسلم - النساء بنقصان الدين لتركهن الصلاة والصوم في زمن الحيض؛ فقد يُسْتَشكل معناه وليس بمشكل، بل هو ظاهر؛ فإن الدين والإيمان والإسلام مشتركة في معنى واحد كما قدمناه في مواضع، وقد قدمنا أيضًا في مواضع أن الطاعات تسمى إيمانًا ودينًا، وإذا ثبت هذا علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت عبادته نقص دينه. ثم نقص الدين قد يكون على وجهٍ يأثم به كمن ترك الصلاة أو الصوم أو غيرهما من العبادات الواجبة عليه بلا عذر، وقد يكون على وجه لا إثم فيه كمن ترك الجمعة أو الغزو أو غير ذلك مما لا يجب عليه بلا عذر، وقد يكون على وجه هو مكلف به كترك الحائض الصلاة والصوم. فإن قيل: فإن كانت معذورة فهل تثاب على الصلاة في زمن الحيض وإن كانت لا تقضيها كما يثاب المريض المسافر ويكتب له في مرضه وسفره مثل نوافل الصلوات التي كان يفعلها في صحته وحضره؟ فالجواب أن ظاهر هذا الحديث أنها لا تثاب. والفرق أن المريض والمسافر كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهليته لها. والحائض ليست كذلك، بل نيتها ترك الصلاة في زمن الحيض، بل يحرم عليها نية الصلاة في زمن الحيض. فنظيرها مسافر أو مريض كان يصلي النافلة في وقت ويترك في وقت غير ناو الدوام عليها فهذا لا يكتب له في سفره ومرضه في الزمن الذي لم يكن ينتفل فيه. والله أعلم” (انتهى من شرح النووي على صحيح مسلم)
فليس الحديث إذن تقريعًا ولا قدحًا في المرأة ولا إهانة لها بقدر ما هو بيان لطبيعتها وفطرتها التي فطرها الله عليها، بل مجرد قياسها على فطرة الرجل ومقارنتها به والطمع في مساواتها به فيما خصَّه الله به هو القدح في جمال خصوصيتها. فعاطفتها جمال، وضعفها الفطري جمال، ورقتها جمال. وأي نقص في هذا يعد استرجالًا ونقصًا في أنوثتها التي فطرها الله عليها لخلق التوازن والتنويع. بل إنها مع كل ما يعتريها من ضعف ومن تغيرات ومن نقص؛ فإنها بكل هذا الضعف قد صنعت مفارقة عجيبة مذهلة معجزة، إذ تهزم - وهي كما هي - رباطةَ جأشِ الرجل الحازم المحترز الذي يُضْرَب به المثل في العقل والرصانة والقوة، وتسلُب لُبَّه فيغيض حزمه ويصير بين يديها طفلًا عاجزًا يحتاج إلى أن تهتم بتفاصيله الصغيرة، عالة على حبها واحتوائها واهتمامها وتقديرها وعلى حضنها الذي يلقي فيه بكل ضعفه وكل بشريته. وكأنها إشارة لها بأن قوتها في ضعفها، وكمال أنوثتها في فهم تلك المفارقة العجيبة من الضعف في قوة، والانكسار في شموخ، والخضوع في أنفة، وبأنها إن أحسنت استعمال هذه المفارقة؛ فإنها حتما ستتملك الرجل. فلا تُحْسِن أن تكون ضعيفة - ذلك الضعف الذي هو فطرة والذي لا يمنع أن تكون حاضرة الشخصية والنبوغ والإبداع، من غير استضعاف نفس ولا مسكنة ولا استكانة أو خنوع سلبي، وأن تحسن استعمال ضعفها -؛ إلا كاملة أنوثة، ولا يُحْسِن أن يفهم ضعفها إلا كامل رجولة.
ليس بالصراخ ولا بالاستقواء ولا بالاسترجال تهزمه وتمتلك قلبه، إنما بنقصها الفطري وضعفها المحبب. فالأنوثة في أدق وأجمل معانيها: ذوق وذكاء وإبداع وجمال وروح ورقة وعاطفة واحتواء وضعف في شموخ وخفض جناح.
فإن عانقت الرصانة والحكمة مع كل ذاك طفولة قلبها؛ فاعلم أنك أمام منبع أنوثة لا ينضبه شيب ولا يعيث فيه عبث السنين ولا يخطئ لب الرجل الحازم.